تنشأ ثقافة التخلف من تفاعل أوضاع التخلف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, ولكنها تتحول من نتيجة لهذه الأوضاع المترابطة إلي سبب لاستمرار الأوضاع نفسها, هدفها الأول في ذلك التبرير لا التثوير, الحفاظ علي الوضع القائم لا تغييره, الانتقال بأهداف التبرير من جيل إلي جيل, ومن زمن إلي زمن, ما ظلت البنية الاقتصادية السياسية الاجتماعية التي أنتجتها واحدة, باقية لا تتغير, كما لو كانت تؤدي دور المولد الذي يعود ليتولد من جديد من نواتج إنتاجه وإعادة إنتاجه المستمرة. وتبقي ثقافة التخلف, عبر هذه التحولات, مستقلة عن أسباب إنتاجها, لكنها تظل فاعلة في خلق عوامل تؤدي إلي إعادة إنتاجها, ما ظلت شروط التولد باقية, تؤثر في كل حقبة من متغيرات ثقافة التخلف عبر مراحل التاريخ وتتأثر بها, عبر وسائل عديدة, تسهم في برمجة عقول الأجيال المتتابعة, غايتها المتكررة هي تطبيع التخلف ولوازمه بما يجعل منه أصلا ثابتا من أصول الوجود والحضور, في عملية تترسخ بها مبادئ ثقافة التخلف في الوعي الجمعي للأمم. ولذلك فإن ثقافة التخلف بناء مستقل, نسبيا, لا يفارق وعي الأجيال التي لا تتوقف عن توارثه والتأثر به, في ظل شرو
الضرورة التي تؤكده كما يؤكدها, وتنتجه بقدر ما يعاود إنتاجها.
والخاصية البنائية الأولي لهذه الثقافة أنها تنكفئ علي ماض, متخيل, تتهوس به, ولا تكف عن استعادته, محاكاة وتقليدا واتباعا, وتبالغ في تقديسه بما يجعل منه إطارا مرجعيا في كل شيء قائم, وكل شيء قادم, فيغدو هذا الماضي معيار القيمة الموجبة لما يمكن أن يحدث في الحاضر والمستقبل, بل إن المستقبل نفسه يغدو صورة لهذا الماضي الذي يستدير إليه الزمن في تعاقبه الذي يعود دائما إلي نقطة البدء المتقدمة في الوجود والرتبة, وذلك بما يجعل كل ابتعاد عن هذه النقطة انحرافا عنها, وهبوطا لا يتحول إلي صعود إلا بتطلعه إلي نقطة البدء التي تغدو زمنا ذهبيا متخيلا, تتحول العودة إليه, إحياء أو بعثا, إلي ما يجعل حركة الزمن أشبه بمحيط الدائرة الذي لا يتوقف إلا عندما يعود إلي نقطة الابتداء. ولا وجود حقيقيا أو مختلفا أو مغايرا أو منقطعا للمستقبل, في هذا العود الأبدي للزمن. والمعيار الوحيد لتقبل الجديد الذي يأتي به تعاقب الزمن هو تشابهه مع ما سبق أن وجد, من منظور الشبيه لا النقيض. والأساس الوحيد لقبول المتغير الجديد هو تجانسه- حتي في اختلافه النسبي والكمي- مع ما سبق أن حدث, دون خروج كيفي أو جذري, وما خالف ذل
فهو بدعة مرفوضة بالمعاني الدينية والثقافية والسياسية. ولذلك تقوم ثقافة التخلف علي خاصية جذرية لا تفارقها, فهي ثقافة عينها في قفاها, لا وجود للمستقبل في أي مستوي من مستويات إمكانه أو حضوره في وعيها الجمعي, فالماضي هو نقطة البدء والمعاد في حركة هذا الوعي. والمستقبل يظل غامضا, متجاهلا, لا تفكير فيه إلا بمنطق ما سبق وقياسا عليه. والتفكير المستقبلي, أو التخطيط لاحتمالاته, أو الاستعداد لما يمكن أن يعد به, أمور لا وجود لها في هذا الوعي المسجون في المدار المغلق للماضي الذي لا يكف هذا الوعي عن إعادة إنتاجه. والخوف من الجديد الغريب, أو التجريب الذي يناقض المألوف, أو العلم الذي ينطلق من الاختلاف, هادفا إلي اكتشاف ما لم يسبق اكتشافه, أمور مرفوضة في هذا الوعي الذي يعادي كل مغايرة جذرية, ويستأصلها معنويا أو ماديا, كي يعود كل شيء إلي سابق عهده, فلا جديد تحت الشمس في مدي هذا الوعي, وما نقول إلا معادا مكرورا, فقد ذهب الأقدمون بالفضل كله, ولم يتركوا للاحقين سوي الرقص في سلاسلهم, أو الدوران
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |